في الذكرى العشرين لاستشهاد خليل الوزير

السيد هاني فحص

خليل الوزير خليل الجليل

في الذكرى العشرين لاستشهاده

في 1988/4/16 اغتالت إسرائيل في تونس خليل الوزير (أبو جهاد) بطريقة انتقامية ومتوحشة. فأبو جهاد الذي طالما وصفه رفاقه بأنه "أول الرصاص وأول الحجارة" كانت له اليد الطولى في الانتفاضة الفلسطينية الأولى سنة 1987. وقد عرف السيد هاني فحص الشهيد أبا جهاد معرفة وثيقة، وكان قريبا ً منه في بعض المراحل المهمة من تاريخ الثورة الفلسطينية في لبنان. وفي ما يلي شهادة عن أبي جهاد في الذكرى العشرين لاستشهاده .

كان الوقت بعد ظهر يوم رمضاني حار، وكان زائر أبي جهاد مسلماً ممارساً للعبادة، يُلزمه مذهبه الفقهي الإفطار في السفر، فكان مفطراً ومتوتراً كما لو كان صائماً، وكان الجو جو قتال ساخن في منطقة حساسة من الجبل. وبصرف النظر عما إذا كان الزائر متحمساً لتلك المعركة أم لم يكن، فقد كان أبو جهاد في سياقها، لكنه لم يكن يبخل على زائريه الموثوق بهم جداً لديه، بطرح أسئلة تقترب كثيراً من الشك بجدوى كثير من المعارك بعيداً عن فلسطين. 

وكانت مناسبة الزيارة هي الاستعانة بأبي جهاد على منع إعلان انشقاق مغامر عن حركة سياسية لبنانية... وجاء أبو جهاد مصقول الثياب، مصفف الشعر، ممتلئ الوجه نعمة وراحة، منبسط الأسارير، صافي العينين والنظرات، كأنه نام ليلته البارحة كلها وبعض نهاره على مخدة من ريش النعام، بعد يوم سباحة وغطس في منتجع صيفي... أو كأنه آت من أو ذاهب إلى نزهة واستجمام في مكان يحبه كثيراً كاللد أو الرملة أو دير البلح أو حمام الوزير... أو كأن حمدي وأبا حسن* أتياه قبل قليل بخبر وصول دلال المغربي إلى الأرض المحتلة. وكان صائماً ورائقاً كأنه مفطر تناول لتوه قهوته الصباحية مع كأس بارد من منقوع البابونج.. والتفت أبو جهاد إلى عضو الحركة الذي يعتزم الانشقاق، وتكلم بهدوء ورفق كأنه يعالج شوكة في ذراع طفل رضيع، ثم احتدم من دون أن يرتفع صوته، بل تسارع نبضه وقال بطريقة حاسمة: إياكم واللعب بالنار، هذه الممارسات نواجها بقوة.. إن فلسطين تُملي علينا أن نجمع لا أن نفرق، وأن نتجاوز لا أن نبقى أسرى الانفعال. لعنة الله على كل الحروب الداخلية وعلى من يمارسونها برضى وقناعة. واعتذر الرجل ومضى راضياً ومختلفاً .

 في أثناء اجتياح سنة 1978 كان أبو جهاد يقود المواجهة من صيدا، وحوله لفيف من المناضلين العرب، أكثرهم ذوو ثقافة مميزة، يستشيرهم في كل شيء ويعمل بمشورتهم بعد الاتفاق، لكنهم، وهم من أهل الكلام النخبوي والمنتقى، كانت تعلو وجوههم الدهشة عندما كانوا يسمعون أبا جهاد يرد مواجهة على تساؤلات الوكالات الإعلامية العربية والأجنبية، أو بواسطة الهاتف، بهدوء مثير وكلام واضح لا يحتمل أكثر من دلالة واحدة، لا مجاز أو بلاغة مصطنعة فيه، لكنه جميل وبليغ جداً، لأنه يشبه تراب الوطن وتفوح منه رائحة الدم المنذور للحرية والكرامة. ويهمس أحدهم للآخر: هل تستطيع أن تغير كلمة في النص أو تنقص كلمة أو تزيد كلمة؟ هذا هو أبو جهاد، يبدع كأنه لا يفعل شيئاً. وكانت ذروة إبداعه عندما انضم إلى الجمع شخص قادم من مصر، ومن أجواء السادات ورحلته إلى القدس وكامب ديفيد، ومن جو الشارع المصري الذي ظهرت عليه إمارات عصبية مصرية حادة وسلبية تجاه العرب والدول العربية.. وقتها هدّأ أبو جهاد من ثائرة الأخ الحزين بالقول: وما العيب أو الخطر في ذلك؟ إنها عصبية وطنية مصرية موجهة الآن، ولأسباب وأوضاع عارضة ضد العرب، لكنها تعمق الوطنية المصرية وستتوجه في النهاية نحو العدو الرئيسي. انتظروا مفاجآت الشعب المصري ولا تظلموه... وتنفس الإخوة الصعداء، فقد أزاح أبو جهاد، كعادته دائماً، غشاوة عن عيونهم .

بعد اجتياح سنة 1978 والقرار 425، كان أبو جهاد على موعد مع أعضاء في التنظيم ليقدموا تقاريرهم عن الوضع في الشريط الحدودي... أفاض الشباب في الكلام، وبينما كان أحدهم مسترسلاً في حديثه، قال إنه ذهب إلى القرية الفلانية في سيارة شحن تحمل الخضروات.. وهنا انتبه أبو جهاد ففتح باباً آخر.. وأخذ يتساءل عن عدد سيارات الشحن التي تنقل الخضروات ومواد البناء وغيرها من البضائع إلى الشريط، وعن نوعية السائقين، وتجهيزات السيارات وأشكالها. وحوّل اللقاء إلى درس في عملية مركبة لتهريب السلاح إلى الشريط، ومن ثم تهريبه، كله أو بعضه، إلى الأرض المحتلة. وعندما وصل إلى هذه النقطة طلب ممن هم على استعداد للمباشرة بالعملية أن يبقوا وأن ينصرف الآخرون.. وبقي معه اثنان.. أمّا نحن فامتد بنا الزمن حتى الانتفاضة الأولى لنعرف، فعلاً، ماذا كان يفعل أبو جهاد.. وعندما عرفنا، قرأنا له الفاتحة مع سورة ياسين وآية الكرسي والمعوذتين والسماء والطارق...

ذات يوم كنت في دمشق في زيارة لساعات آتياً من معسكر "فتح" التدريبي في عين الصاحب بين مدينة التل وحلبون إلى الشمال الغربي من دمشق، حيث كانت مجموعة من الأصدقاء في دورة تدريبية على السلاح من أجل المشاركة في مواجهة العدو الصهيوني عندما يلزم الأمر... وكنا سابقاً نذهب للتدريب إلى معسكر المنطار قرب طرطوس، وعندما قُصف انتقلنا إلى بساتين الزيتون قرب قرية اليازدية القريبة من صافيتا.. ثم إلى عين الصاحب التي كان يشرف عليها مجموعة من الشباب بقيادة سميح أبو كويك (قدري) الذي أصبح لاحقاً عضواً في اللجنة المركزية لحركة "فتح"، ثم انشق عنها . كانت لجنة شؤون الأردن بقيادة قدري اختارت مسلكاً يسارياً مأخوذاً بالجملة الثورية والكلام الطهراني والنقد القاسي والتخوين، مع الإصرار على المتابعة لترجيح الخط الثوري على خط "اليمين المتخاذل".. (عادوا جميعاً عن ذلك لاحقاً)... بعد الشاي والإصغاء إلى الحديث الثوري الذي أَشعرني كأني آت من عالم آخر، استأذنت السيدقدري في الخروج، فقال: إلى أين؟ قلت: إلى أبي جهاد. فقال: إذاً، لا تقل له إن لك علاقة بنا، لأن هذا يسبب لك الأذية.. وذهبت إلى أبي جهاد، فسألني منذ اللحظة الأولى: ماذا تفعل في الشام؟ قلت: عندنا دورة تدريبية مع شباب "شؤون الأردن". أبدى ارتياحه وسألني: هل هذه هي أول مرة؟ قلت: هذه ثالث مرة. فامتدح جهد الشباب وإخلاصهم وأوصاني بهم خيراً... وعندما عدت إلى قدري سألني عما إذا كنت التزمت وصيته في إخفاء الأمر عن أبي جهاد، فلما أخبرته بما حدث، تغير لون وجهه خوفاً عليّ كما قال، فطمأنته، ودخلنا في جدل بشأن التصنيفات الظالمة لرفاق الدرب . أشهد أن أبا جهاد لم يشتم أحداً ولا نظاماً على مسمعي، وما سمعت أحداُ يقول إنه شتم أو خوّن أحداً... ومع ذلك فإن "اليسراويين" (أو العسراويين) كانوا يحسبونه على السعودية علماً بأنه لم يكن يسافر إليها إلاّ قليلاً، وكان يتكلم عليها بمنتهى الأدب، وينتقد، بمنتهى الأدب أيضاً، إذا كان هناك ضرورة للنقد. كما صُنف يميناً، لكني لم أسمعه ولم يسمعه أحد ينال من الاتحاد السوفياتي، أو يفرط بالحركة الوطنية أو الحزب الشيوعي اللبناني، وكان الكبار الكبار من اليساريين يحترمونه ويحبونه ويثقون به.. أمّا الصغار فلا.. وهم دائماً كذلك إلى أن يكبروا ويبلغوا رشدهم.. ولعل "فتح" هي التي أحيت هذا السلوك التعددي السجالي لحظة والحواري لحظة والتكاملي في الأحوال كافة. ومن الأمثلة أن العلاقة بين أبي صالح المصنف يساراً، وبين أبي جهاد، كانت من العمق بحيث تبعث على الحيرة، أمّا العلاقة بين خالد الحسن، أقصى اليمين، وبين أبي صالح، فهي مثال لوحدة وصراع الأضداد والأحباب، وهذا ما يفسر خروج أبي صالح على المنشقين سريعاً بعد مغامرته في الانشقاق، وخصوصاً عندما اكتشف أن ّ المصرين عليه وعلى توظيفه مزاجياً، هم من الفئة التي التحقت بـ "فتح" ولم تتربَّ في حضنها، وكذلك فعل كثيرون من الذين انشقوا.. والخلاصة أن أبا جهاد لم يتورط في تطرف يميني أو يساري، وإنما كان فلسطينياً براغماتياً محكوماً بمنظومة أخلاقية عالية... أمّا عروبته وإسلاميته وإنسانيته فكانت عميقة من دون عرض.. وقد ذكر لي أبو صالح مرة، أنه كان في أحد مقار أبي جهاد في البقاع، وبُلّغ أن هناك مجموعة من مشايخ الشيعة على موعد مع أبي جهاد الذي تأخر، وهو نادراً ما يتأخر.. فقرر أبو صالح أن يحل المشكلة ويلتقيهم بدلاً منه ويستمع إليهم، فدخل حيث كانوا وسلم ورحّب، وأمضى معهم أكثر من ربع ساعة في اجمل املة.. كيف الحال؟ الحمد لله... إن شاء الله الأمور ماشية؟ الحمد لله يقول المشايخ.. ثم سأل: هل هناك أمر مهم؟ أنا على استعداد للإصغاء وعمل ما يلزم... اضطرب الوضع، وهمهم المشايخ أمام أبي صالح المندهش، ثم بادره أحدهم بالقول: يا أخانا، نحن لا نعرف أن نتحاور إلاّ مع أبي جهاد.. قال أبو صالح: وهل تعرفون من أنا؟ ظناً منه أنهم ربما يكونون عارفين بتصنيفه يساراً، وهو ما جعلهم يمانعون في مكاشفته، فتبين أنهم لا يعرفونه. روى ذلك أبو صالح مستمتعاً.. واستمتع أكثر عندما عرضت عليه مشروعاً لاسترضاء السيد موسى الصدر بعدما أساء إليه أناس محسوبون على أبي صالح أو على ما كان يسمى يسار "فتح".. وهكذا شجعنا أبو صالح على تنشيط التجمع الإسلامي الشيعي المكون من عدد من كبار علماء الشيعة ووجهائهم وفاعلياتهم من أجل مساندة الإمام الصدر وردّ غائلة أعدائه وبعض أصدقائه عنه إلى هذا الأصل الفلسطيني كان ينتمي أبو جهاد... وذهب عميقاً في الوجدان، ولم يذكره أحد بسوء، إلاّ واحد تجاهله في برنامج على فضائية عربية وقلل من شأنه فأثار قرفي، وآخر لم يُعرف عنه أنه أحسن صحبة أحد أو قال كلاماً له صدقية، نال من أبي جهاد مرات ومن موقع ثوري شكلي مزيف، ثوري لا ثوري... أمّا أكثر المرات إيلاماً فكانت عندما بلغنا مجتمعين صدفة نبأ استشهاد أبي جهاد، فبكى الجميع إلاّ واحداً ظهرت البسمة على شفتيه كأنها فحيح أفعى كان يستحضر من الماضي ما يمر بالحاضر ليصب في المستقبل، وكان يعتني بالحاضر، كل الحاضر، متحرراً من المزاجية والأيديولوجيا التي تلزم الممعن فيها رؤيةَ الواقع كما يحب أو يكره... كان يدخل إلى الواقع من بوابته ويحاول تشغيله وتطويره من الداخل وبقوانين الداخل، لا يكل ولا يمل، وكلما فشلت التجربة ازداد قناعة بإعادتها بشروط مختلفة.. وكم شكا إليه فيصل الحسيني من صعوبة العمل في القدس، أو الاستحالة، إلاّ إنه ّ أصر ودخل في تفصيلات حتى انتبه فيصل إلى أن هناك إنجازاً مهماً وعظيماً قد تراكم ببطء شديد لكنه عميق... ومن هنا عنايته بالفتيان من طلاب ثانويين وجامعيين، لاحظ مواهبهم فاقترب منهم وقرّبهم.. ولم يلبثوا أن أثبتوا امتيازهم؛ ومع أن السبل تفرقت بهم لاحقاً، فإن هذا لم يُعقهم عن الاعتراف بنضالهم الصافي، من مروان كيالي إلى معين الطاهر إلى الشهداء علي أبو طوق وعماد مغنية وسعد جرادات، والأخت آمنة القرى وإخوتها الشهداء والأحياء ووالدتها، وميشال نوفل ونجيب خزاقة وأنيس النقاش وكاظم ياسين وسعود المولى وطارق إبراهيم ومحمد حمزة (سمير غطاس) وحسن صالح وطلال عتريسي وعبدو قصير ورياض الددا، وجواد أبو الشعر ومحجوب عمر وغيرهم.. إلى الكتيبة الطلابية المميزة بكل نضالها وسلوكها المستقيم، وحب الناس لها في الأوقات الحرجة، وجمعها بين القائد أبي عمار والرائد أبي جهاد من دون فصل أو خلط أوازدواجية.. وعندما حملنا إليه همّ إيران، اكتشفنا أنه كان سبقنا. وجدنا الجميع تحت مظلته، من محمد منتظري وجلال الفارسي وتيار الإمام الخميني عامة، إلى الفصائل اليسارية كلها التي كان يشدد عليها ألاّ تأتي بأي حركة مضرة بالآخرين.. أمّا ثقة الساندينيين وأغلبية فصائل النضال الآسيوي به.. فقد رأيناها عن كثب.. ولم نر منه وله وعليه أي ورطة.. كان حذراً من خلط النضال بالإرهاب، وبشدة..

أدخلني عليه رفيق عمره سعيد في مكتبه الذي استشهد فيه، في تونس، من دون أن يخبره. كان ينتظرني معمماً وبالجبة، لكني دخلت عليه، ومن دون استئذان، بلباس مدني وقلنسوة باكستانية ونظارات طبية لا عهد له بها على عيني.. ولا على قلبي... هب واقفاً بسرعة ودهشة ويده على مسدسه، لكنني عاجلته بضحكة فرد عليّ بمثلها.. وأمضينا ساعة لم يتكلم فيها إلاّ عن الانتفاضة وكيفية خدمتها... وانتبه إلى أنه لم يدعني إلى الغداء وقد فات الوقت.. قلت: لقد "تغدينا" والحمد لله معك.. أمّا الغداء الآخر فإني مدعو إليه في موعد متأخر لم يحن بعد... وبعد انتهاء الغداء ذكّرت من كانوا معي بأن حديثنا لم يتعدَّ الكلام على السمك التونسي والفراخ والفرّي بالفريك، فلم يخبرني أحد أويسألني عن الانتفاضة.. بعد "الغداء" الجلسة مع أبي جهاد شعرت بأن بدني استيقظ فضلاً عن روحي، أمّا بعد الغداء الثاني فقد أخذتني غفوة على المائدة، وعندما صحوت خجولاًوجدت الجميع نائمين . خلف هذا المكتب بالذات قتلوه . دخلوا من دون استئذان، قتلوا الحارس.. حارس المقلع والمقلاع.. قتلوا الجسد وها نحن نكتب على مساحته الخضراء بعض روحه التي فينا . قُتل لدوره في الانتفاضة الأولى ولمناصرتنا في لبنان. ولم يلبث توأمه الفلسطيني (أبو عمار) أن قتل لدوره في الانتفاضة الثانية ولمناصرتنا أيضاً.. وهكذا اجتمعا في فلسطين الرحموفي "فتح" المهد . أمّا اللحد فمهما ابتعد أو أُبعد عن شقيقه فإنهما لا يمنعان من اللقاء في فلسطين حباً ورجاءً.. ذكرى وحلماً.. وفي الجنة، في أعلى عليين.